مقابلة مع جنيفر باكودي حول حميميّة الإذاعة

يُسعد اليونسكو أن تجعل حقوق النشر للصوت والنص لهذه المقابلات متاحةً مجاناً للاحتفال باليوم العالمي للإذاعة 2019. نحن نشجّع المحطات الإذاعية خاصةً لبث هذه المقابلات، إما بشكلها الكامل أو بإزالة الأجوبة وإعلان الأسئلة نفسها.

تحصّلت اليونسكو على فرصة للحديث مع جنيفر باكودي، صحفية كندية تؤمن إيماناً عميقاً بالمميزات العديدة للإذاعة، وبالأمم المتحدة، وبالإعلام المسؤول الذي قد ألّفت كتاباً عنه! هي المؤسِّسة لـ "راديو أوكابي كيندو: المحطة الإذاعية التي ساعدت في جلب السلام للكونغو"، والتي حققت إنجازات إذاعة أوكابي، وهي محطة إذاعية أقيمت في جمهورية الكونغو الديمقراطية بواسطة الأمم المتحدة، ومنظمة سويسرية غير حكومية، هي مؤسسة هيرونديلا. تعيش في سنغافورا.

انقر هنا لتحميل المقابلة الكاملة (باللغة الإنجليزية فقط)

س. شكراً لك يا جنيفر على وجودك معنا اليوم. كصحفية إذاعية، لقد أمضيت بضعة سنوات في العمل لمحطة راديو أوكابي في جمهورية الكونغو الديمقراطية. هل بإمكانك إخبارنا قليلاً عن الوقت الذي قضيتيه هناك وما الشيء الذي ألهمك لتأليف كتاب عن خبرتك؟

بكل تأكيد – أولاً، اسمحوا لي أن أقدّم محطة راديو أوكابي بشكل ملائم لمن لا يعرفها أو لمن يهتم بمعرفة المزيد عن قصة تأسيسها. راديو أوكابي هي شبكة إذاعية وطنية أقيمت في عام 2002 بواسطة مهمّة الأمم المتحدة في الكونغو، والتي كانت تُسمّى MONUC في ذلك الوقت، وبواسطة مؤسسة هيرونديلا، وهي منظمة سويسرية غير حكومية تدير برامج تدريب إذاعية وإعلامية في حالات النزاعات وما بعدها حول العالم. هذان الممثلان قاما بتصميم راديو أوكابي لرأب الصدع الذي حدث بعد سنوات من حرب تسببت في سنوات من التدمير لهذا البلد، وهنا يمكن للإذاعة أن تساعد. النسيج الأساسي للبلد تم تمزيقه. برنامج المحطة الرئيسي يسمّى Dialogue entre Congolese (حوار بين الكونغوليين) تم بثه للمرة الأولى على الإطلاق كفصائل مختلفة من المجتمع المدني، ونوّاب وحكومات من كل أماكن الإقليم التقت في مدينة سن سيتي في جنوب أفريقيا لمناقشة كيف ستتقدم الكونغو مع الحكومة الانتقالية مع آراء حول الانتخابات.

والآن، أنا شخصياً وصلت للكونغو في عام 2004، وعندما دخلت لغرفة الأخبار الرئيسية لراديو أوكابي في العاصمة كينشاسا، واحدة من أولى الأشياء التي استوعبتها كانت الفاصل الترويجي الذي استخدمته المحطة فيما بين البرامج والموسيقى. كانت تسمى رسالة أوكابي حيث استطاع الناس أن يذهبوا لأقرب مكتب للأمم المتحدة ليضعوا رسائل مكتوبة لأفراد عائلاتهم الذين فقدوا الاتصال معهم في الحرب، الذين لم يسمعوا منهم منذ أيام الحرب. رسائل من نوع: "أنا على قيد الحياة، أنا هنا،"في كيسانغاني، شابوندا،مبوجي-مايي،كيندو حيثما سأكون قد تأسست في البدء. لذا، محطة راديو أوكابي قامت بذلك – خلقت بنية تحتية بدءاً بتلك الطريقة شديدة البساطة وانتهاءً بإنتاج برامج إذاعية متطورة أكثر، لتصبح منبراً تُعرض فيه الأفكار والمخاوف وتُناقَش ويتم الجدل حولها. كان من الواضح أن البنية التحتية، هذا المنبر المحايد، كان حيوياً للثقافة ولتبادل المعلومات في البلد. وفي خلال الثلاث سنوات التي سعدت فيها بالمشاهدة وبالمساهمة وبالتعلم من راديو أوكابي، قامت المحطة وصحافيوها بالعمل بلا أخطاء بكل تأكيد.

ألّفت الكتاب لأنني قد قلت لنفسي، "يجب توثيق هذه القصة." هناك دروس، أفضل الممارسات في الإعلام وفي الصحافة المسؤولة كما في حالة الديمقراطية للبلدان الأخرى، والمجتمعات، والحكومات، حتى يتم فهمها وكما هو محتمل أن تتم محاكاتها. ما حققته محطة راديو أوكابي هو إنجاز ضخم يجب أن يتم إشهاره. ومما رصدْته في الأماكن الأخرى من العالم كصحفية وكمواطنة أننا قد نعلق في أفكارنا. اعتقدتُ أنه من المرجّح أن شريحة كبيرة من السكّان قد وصلت لدرجة إخفاض التجديد في الكونغو وفي الإذاعة كوسيلة إعلام. كان ذلك خطأ. ليس بسبب أن شيئاً ما راسخ بقوة أو قد شهد حصته العادلة من أيام شهرته التي لا علاقة لها بالعصر الحديث.

ومن خبرتك، أي جانب من الإذاعة يجعلها وسيلة إعلامية قوية لتعزيز النقاش والحوار؟

بدون شك عندما نعتبر حواجز التعليم والاقتصاد والتقنية نجد الإذاعة متاحة. الإذاعة هي وسيلة الإعلام التي تصل للجمهور الأوسع حول العالم. ولكن مزايا الإذاعة تتخطى كونها متاحة. أفضل أمثلة على الحوار في الإذاعة هي بواسطة العصف الذهني أو التدفق الحر لنقاش غير مقتطَع؛ الأصوات المختلفة تُسمع، أصوات حقيقية، نحن نسمعها كما قيلت، بدون عدسة ولا مصفّي. لقد سمعت وأعتقد أنك سمعت أيضاً أن غرينلاند يجب أن تسمّى آيسلاند، وآيسلاند يجب أن تسمّى غرينلاند. وذلك لأنه، كما يقولون، غرينلاند في الواقع مغطاة بالثلوج أكثر من آيسلاند، بينما آيسلاند في الحقيقة أكثر خضاراً من غرينلاند. هل هذا صحيح؟ الإجابة تفوق منظور الخبراء، ولكنني سأقول لك، إذا أردنا لعب نفس لعبة الأسماء هذه بين الإذاعة ومواقع التواصل الاجتماعي، لاقترحت أن الإذاعة كوسيلة إعلامية لها طابع اجتماعي أكثر من مواقع التواصل الاجتماعي. اعتبر أولاً ما يحدث في حالة أن مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد على الكلمة المكتوبة. أنا أكتب شيئاً، غير مقتطع، غير مفحوص، يتم إرساله. ربما لا تستجيب، أو تفعل، بواسطة رمز تعبيري؟ وإذا قررت الرد بكتابة شيء، أنا عندها سأقرر هل سأستجيب أم لن أفعل. أنا بكل تأكيد سأختار الجانب الذي سأستجيب له، أو سأضع نفسي في منطقة مختلفة تماماً.

الأمر مختلف في الإذاعة. للمبتدئين، معظم الأوقات مع الإذاعة، هناك حوار، سواء كان كمقابلة كهذه، أو نقاش جماعي، أو برنامج اتصالات هاتفية، وهو ما يعني بضعة أشياء. مثلاً، مقاطعة، سؤال مباشر، اعتراض، توضيح أسئلة، تصحيح ذاتي (وهو يعتبر أكثر من مجرد تصحيح آلي في جهاز ما). وبالطبع في الإذاعة هناك مؤشرات كلامية وصوتية – نغمات – لا تفهمها عند إرسال الرسائل. الآن، العمود الرئيسي الآخر لمواقع التواصل الاجتماعي هي الصورة، ضمن صور ومقاطع فيديو، وعلى الرغم من أن هذه العناصر تكون دائماً فعّالة، في الإذاعة، الصور لا تمثل العنصر الرئيسي، بل النص والصوت يفعلان، حيث يتمثل الصوت في أصوات الناس، توقفاتهم وتأتأتهم. أن نأتي جميعاً للتواصل، ليس مجرد معاني خلال كلمات، بل معاني خلال مشاعر. فكّر في كم هو مؤثر سماع البكاء، الإذاعة عاطفية. موجات صوتها تملأ المكان الذي تشغله، سواء كان في غرفة، في الهواء الطلق، أو في أذنيك مباشرة عبر سمّاعات، كبرنامج إذاعي. إنها تجبرك على خلق الصور والرسوم في مخيلتك.

إذا أخذنا راديو أوكابي كمثال، كيف ترين مساهمة الإذاعة في إرجاع السلام لمناطق ما بعد النزاع؟

هل بإمكاني استخدام إسقاط؟ أنا فرد، وأنت فرد. أنت تستمع لهذا، فرد. لذا، لنرى الصراع بين الأفراد. بعد كل صراع، أنت فقط سترغب في التحدث. ربما ستحتاج وقتاً للتهدئة، وهو شي شائع جداً، ولكن في وقت ما، ستحتاج منفساً. وأهم من ذلك، ستريد من يسمعك، ستريد أن تتأكد من أنك كنت مسموعاً. ابنِ جسوراً. نحن نحب أن نتحدث عن ذلك في الأمم المتحدة وفي التنمية، ولكنه أمر صحيح. بعد النزاعات، ستوجد فجوات بحجم المحيط. كيف نقوم بذلك، رأب الصدع؟ نفرغ ما بداخلنا. لدي صديق عزيز في جزيرة كابي بريتون الجميلة، ولاية نوفا سكوشا، مقدم برنامج إذاعي اجتماعي لمدة 20 عام، هو يسمي هذا "عيش حياةٍ مكشوفة". أحب ذلك، نفرغ ما فينا، نفحص. وفيما نفعل ذلك، نحن أو الآخرون، عادة الآخرون، يبدؤون بالحديث عن المضي قدماً. لذا، هذا مصطلح مفعم بالمعاني (المضي قدماً). ولكن من المؤكد أن الحياة تستمر بالمضي – لا يوقفها أي شيء، تماماً كحركة موجات الإذاعة. شيء آخر بخصوص الإذاعة، أنها متنوعة للغاية. المقاطع الإذاعية التمثيلية، الدراما الإذاعية، الكوميديا، البرامج الوثائقية، المقابلات الإذاعية، التقارير، وهي مركّزة بشكل مقصود. في الإذاعة تلتقي الثقافة بالسياسة. إنها تسمح للمجتمعات بأن تقيّم نفسها، للحركات الشعبية، لتأسيس هذه الحركات، لفحص حيواتنا ولوضع الأولويات. لمن يمثّل اهتماماتنا من الناس، لنعرف هذه الاهتمامات التي من خلال الصحافة بإمكاننا مراجعة أخطائها. بالنسبة لي، هذه هي كل حجرات بناء السلام.

هناك عدد من المجموعات الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. هل هناك قصص إذاعية تتعلق بهذه المجموعات تتبادر إلى ذهنك؟

نعم، حسناً، غالباً ما أسمع الناس يقولون إنه قد يكون الحل الكونغولي هو أن تُقسّم طبقاً لحدود أهلية أو عرقية. وبالتالي، نحن نصادف غالباً قصصاً جديدة تتحدث عن الصراع العرقي في الكونغو وتتحدث عن حقيقة وجود أكثر من 250 مجموعة عرقية في الكونغو. ولكن، ألا نعلم كلنا أن الحل الآني ليس تقسيم الناس حسب حدود عرقية أو أهلية أو أي حدود صراحةً؟ إن كانت حسب نوع الجنس أو الدين أو محل الميلاد أو المستوى التعليمي أو مستوى الدخل؟ فكر في ذلك. في الأماكن التي نرى فيها توجهاً من هذا النوع حول العالم، كيف تجري الأمور؟ ماذا لو، بدلا من ذلك، أخذنا في الاعتبار أحد ركائز راديو أوكابي – التعددية. كنظام تتعايش فيه قيم ومصادر سلطوية جماعية متعددة، في أي مكان تذكر اسم البلد عبر التاريخ، تكون المشكلة هي التقسيم. ويكون الحل هو التوزيع العادل المنصف المؤسس على الحقوق للموارد العامة. الموارد التي تخصنا جميعاً. موجات الأثير العامة تخصنا جميعاً.

لقد طلبت مني ذكر مثال عن القصص الإذاعية الخاصة بالأهالي، صادفت العديد منها في راديو أوكابي كل يوم ومن كل موقع. هذه واحدة، وهي في الواقع حالة عن مجموعة لم يتم الاعتراف بها. ليس حقوقها، بل لم يتم الاعتراف بها. كان ذلك أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الكونغو في عام 2006. كنت في كيندو. كنا في المحطة نغطي عملية تسجيل الناخبين، وجد أحد مراسلينا مجموعة من الناس وُلدوا في الكونغو، ترعرعوا في الكونغو، كما فعل آباؤهم وأمهاتهم وأجدادهم، وربما أيضاً أجداد أجدادهم، ولكن بسبب مجموعتهم العرقية، حقيقة أن أسلافهم البعيدين تم إحضارهم بالذات للعمل في المناجم المعروفة اليوم في ولايتي مانيي وكيبو، لم تكن أسماؤهم في أي من قوائم الاقتراع. وبقدر ما كان ذلك فاضحاً بالنسبة لهم، قالوا بأنهم قد يكونوا أكثر حزناً لأنه لن يتم إصدار بطاقات ناخبين أصلية لهم، كانت ستكون نوعاً من إثبات الهويّة، وهو ما لم يمتلكوه أبداً. ومن دونها كانوا عديمي الجنسية. راديو أوكابي أعطتهم الصوت الذي كان مؤثراً جداً حسب رأيي.

الفكرة الرئيسية لليوم العالمي للإذاعة 2019 هي "حوار وتسامح وسلام". ما هي رسالتك في اليوم العالمي للإذاعة؟

ابنتي ذات الخمس سنوات تقول دائماً أنها جائعة، تريد الحلوى. أقول، حسناً، اذهبي وخذي قليلاً من الحلوى في وقت ما، ولكن إن كنتِ جائعة، انسِها. الحلوى ليست طعاماً. الإذاعة طعام. إنها تغذّي أغلب الإنسانية الأساسية الموجودة داخلنا. إنها منبر طبيعي للحوار، وعندما تتم بشكل صحيح، تأخذنا الإذاعة للعاطفة، للأصوات، للأصوات المشتركة في الحياة إلى ما أبعد من أي رسالة ذات كلمة واحدة أو رأي يوضع أمامنا. نستمع للآخرين. نستمع لما لم يقال. نفهم. وفي عالم مليء بالضجيج المظهري، هذا هو الأساس للتسامح والسلام.

 

شكراً جزيلاً يا جنيفر!

 

إخلاء مسؤولية: التسميات الموظّفة وعرض المادة طوال هذا المنشور لا تتضمّن التعبير عن أيّ رأي مهما كان من جانب اليونسكو بخصوص الحالة القانونية لأي بلد أو ما يخضع لسلطاتها من أقاليم أو مدن أو مناطق، أو بخصوص ترسيم حدودها. الأفكار والآراء الواردة في هذا المنشور تخص المؤلف؛ وهي لا تمثّل بالضرورة آراء وأفكار اليونسكو ولا تُلزم المنظّمة.